سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان

ولد سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (رحمه الله) سنة 1918م، في قصر الحصن في أبوظبي، وهو أصغر إخوته الأربعة، ووالده هو صاحب السمو الشيخ سلطان بن زايد، الذي تولى حكم إمارة أبوظبي ما بين سنتي (1926-1922)، وسموه حفيد الشيخ زايد بن خليفة، الملقب بزايد الكبير، الذي كان حاكماً للإمارة ما بين (1909-1885)، ومنذ بداية القرن الثامن عشر، وعلى مدى 300 عام، ظلت أسرة آل نهيان تحكم إمارة أبوظبي، وهذه الأسرة هي واحدة من أهم فروع اتحاد قبائل بني ياس.

الشيخ زايد حاكماً للعين

قام سمو الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان أمير البلاد بتعيين أخيه سمو الشيخ زايد حاكماً لمنطقة العين عام 1946، وممثلاً له في المنطقة الشرقية، وعلى مدى عشرين عاماً ركَّز سموه اهتمامه على تنمية منطقة العين زراعياً واقتصادياً، وكان رائداً في إدخال التعليم الحديث إلى المنطقة.

وقد تعرّض الاقتصاد التقليدي لمجمل إمارات الساحل المتصالح، كما كان يطلق عليها في فترة وجود بريطانيا في الخليج العربي منذ اتفاقية 1820، للكساد التام في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، وذلك بعد انهيار تجارة اللؤلؤ الطبيعي، التي كانت مصدر رزق الكثيرين في هذه الإمارات، حيث تم اختراع اللؤلؤ الصناعي في اليابان، إلاّ أن اكتشاف النفط بكميات تجارية في أواخر الخمسينيات، وفي مطلع الستينيات، جعل المعادلة الاقتصادية تنقلب رأساً على عقب في منطقة الخليج، إذ شكّل ذلك بداية حقيقية لكل مناحي الحياة فيها.

الشيخ زايد والنهضة الحقيقية في الإمارات

كانت التحديات الجديدة، والحاجة للاستغلال الأمثل لعائدات النفط تتطلب رؤية جديدة للحكم، الأمر الذي حدا بأسرة آل نهيان لاختيار سمو الشيخ زايد حاكماً لإمارة أبوظبي، وذلك في السادس من أغسطس 1966، وخلال فترة السنوات الخمس التي سبقت قيام الاتحاد عام 1971، عندما كانت فكرة اتحاد الإمارات السبع في دولة اتحادية تتبلور، وتمضي قدماً، ركَّز سموه على مهمتين رئيسيتين، الأولى: البدء في برنامج رئيسي للتنمية، يتضمن إقامة البنية التحتية الوطنية، والثانية: التخطيط لإقامة الاتحاد بين الإمارات السبع.

وتحقّق حلم الاتحاد في 2 ديسمبر 1971، وانتُخِب سموه رئيساً للدولة الجديدة من قبل إخوانه أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى حكّام الإمارات، وظلوا بعد ذلك يجددون العهد والثقة في سموه كل خمس سنوات.

وعلى مدى ثلاثين عاماً من تولِّيه رئاسة الدولة، كرَّس سموه اهتماماته القصوى للاستفادة من عائدات البلاد من النفط والغاز في خدمة مواطنيه، وأصبحت الدولة الآن تحظى بواحد من أعلى مداخيل الفرد في العالم العربي، وتمتلك بنية تحتية على أحدث طراز، تغطي سلسلة واسعة من المنشآت، والطرق، والمواصلات، والإسكان، والصحة، والتعليم، كما أولى سموه التنمية الزراعية والتشجير اهتماماً خاصاً، فأخذت البلاد تزدان بالخضرة، التي تكسوها بأكثر من 140 مليون شجرة، ضمن برامج مكافحة التصحّر، وحماية البيئة، ورعاية الحياة البرية، وتقديراً لجهود سموه المتواصلة في خدمة البيئة، مُنِح جائزة (الباندا الذهبية)، من قبل الصندوق العالمي للطبيعة، وهو أول رئيس يفوز بهذه الجائزة العالمية.

وقد انطلق سموه في كل أعماله التنموية من قناعة راسخة، ترى أن ثروة دولة الإمارات العربية المتحدة، النابعة من مواردها النفطية، يجب تسخيرها لتطوير بلاده، وصنع رفاهية شعبه، والنهوض به لإعلاء مكانته بين الأمم، إلا أنّ سموّه يرى في الوقت ذاته أن هذه الثروة، التي حباها الله لشعب الإمارات، ينبغي تسخيرها أيضاً لمساعدة الأشقاء العرب والدول النامية، وخدمة القضايا الإنسانية العادلة في كافة أنحاء العالم دون تمييز.

ولم ينس رحمه الله في كل أعماله المزاوجة بين الماضي والحاضر من جهة، والحداثة والمحافظة على تراثها وتقاليدها الإسلامية والعربية، ومواكبة التطور، وبناء الدولة العصرية الحديثة من جهة أخرى.

الشيخ زايد والمرأة الإماراتية

من أبرز المظاهر الرئيسية لتطور الدولة خلال الثلاثين سنة الماضية، تصاعد الدور الذي تلعبه المرأة في المجتمع، وقد تحقق ذلك بفضل التزام الدولة بشأن رفعة المرأة ونهضتها، وهو التزام قطعه سمو الشيخ زايد على نفسه، منذ قيام الدولة الاتحادية، وقد وصلت في التعليم إلى مراحل متقدمة، جعلها مؤهلة لتتسلم أرفع المناصب في الدولة، وقد توجت مسيرتها بوصولها إلى منصب الوزارة.

الشيخ زايد والسياسة الخارجية

آمن سمو الشيخ زايد في مجال السياسة الخارجية، إيماناً راسخاً وثابتاً بالتضامن العربي، والتعاون بين الشعوب، على قاعدة الصداقة والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول؛ وترتكز فلسفة سموه الخاصة بالعلاقات الدولية على فرضية حاجة كل دولة كبيرة أو صغيرة إلى التعامل مع بعضها البعض، لمواجهة المشكلات التي تعترض مسيرة البشرية، وحلها بعيداً عن لغة المواجهة والعنف والصراع.

اكتسب سموه خبرة ودراية واسعة في الشؤون الدولية، من خلال كونه حاكماً لإمارة أبوظبي مدة تزيد عن 35 سنة، ورئيساً للدولة لمدة تزيد عن ثلاثين سنة كذلك، حيث كرَّس هذه الخبرة والدراية لمصلحة شعبه وبلده، والقضايا الإقليمية والدولية، وقد تجلَّى ذلك من خلال مساعيه المتواصلة، وجهوده المستمرة في حل هذه القضايا؛ إذ عُرِف عن سموه الحكمة وبعد النظر، من خلال المشاورات والاتصالات التي يجريها القادة، من مختلف أنحاء العالم مع سموه، في معالجته للقضايا الإقليمية والدولية المختلفة، والتي يتقاسمها مع القادة الآخرين، من أوروبا، وآسيا، وإفريقيا، وخاصة العالم العربي، الذين يزورون دولة الإمارات.

ولقد أثبتت خبرته وجدارته ونجاحها وفاعليتها على المستويين الإقليمي والدولي، أنه يمتلك فطرة سليمة، ومهارات توفيقية فائقة، وحكمة سديدة، استطاع سموه أن يوظفها جميعاً في كل القضايا التي تعامل معها منذ نصف قرن أو أكثر.

إن نظرة سريعة إلى المكانة المرموقة التي احتلتها دولة الإمارات العربية المتحدة، على الساحتين العربية والدولية، في عهد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، تكشف بوضوح رؤية سموّه الثاقبة وأفقة السياسي الواسع، وبصيرته النفاذه، ومبادئه الثابتة التي تنطلق من أرضية الاتحاد الصلبة، والتلاحم بين القيادة والشعب، ومن قاعدة خليجية عربية موصولة بالعالم الإسلامي، غير منعزلة عن دول العالم وشعوبه، تصادق في شرف، وتتعاون في كرامة، وتناصر مبادئ المساواة والعدل، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

فعلى صعيد التعاون الخليجي، انطلقت مبادئ زايد من وشائج الدين والقربى والجوار والآمال الواحدة والمصالح المشتركة، فشارك بدور بارز ومتميز في تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إذ جاءت ولادته في 24 مايو 1981، تجسيداً لآمال شعوب المنطقة، وتتويجاً للعلاقات الوطيدة بين دولها وقادتها وسعياً لتحقيق الوحدة المأمولة التي تعيش في فكر زايد وضميره، حيث يقول:

\”إن قوة الخليج تكمن في وحدته وتآزرة وتلاحم أبنائه، وفي إنسانه، وما يحمل من رصيد حضاري، وفي قوته الاقتصادية، وما تحمله من تحديات استغلالها واستثمارها لأغراض التنمية الشاملة، وسيادة أبناء المنطقة\”، ويضيف رحمه الله \”إن قوة الخليج في وحدته الاقتصادية؛ لأنها التحدي الحقيقي الذي سيثبت فيه الإنسان الخليجي مكانته التي يستحقها، ولأن القوة الاقتصادية هي المقياس الحقيقي للقوة الذاتية الخليجية، تعويضاً للتخلف، واندفاعاً نحو التقدم والرقي\”.

وعلى الصعيد العربي تبرز حكمة زايد، وأصالته العربية ومواقفه التاريخية المشهودة؛ فيناصر القضايا العربية، ويبادر إلى لم الشمل، ويسعى إلى مد جسور التعاون، ويتطلع إلى أن تلعب أمتنا دورها التاريخي في بناء الحضارة الإنسانية، ومواجهة تحديات العالم المعاصر.

ولأن فلسطين تقع في سويداء قلبه، فقد نذر نفسه لخدمتها؛ فدعم صمود الشعب الفلسطيني؛ لاستعادة حقوقه المشروعة، وتحرير مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع ثقله الشخصي والسياسي في ميدان السياسة العربية والدولية، لإيضاح الحق العربي ونصرة القضايا العربية.

ويحدد رئيس الدولة موقف دولة الإمارات العربية المتحدة الواضح فيقول: \”إن محور سياسة دولة الإمارات العربية المتحدة هو ضرورة إحلال سلام دائم وعادل في الشرق الأوسط، يقوم على انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة كافة، واستعادة الشعب الفلسطيني حقوقه السياسية، وبخاصة حقه في العودة لوطنه، وإقامة دولته المستقلة، واسترجاع سيادته على ترابه الوطني\”.

ومنذ اللحظة الأولى التي اندلع فيها القتال في سيناء والجولان، أعلن زايد أن دولة الإمارات العربية المتحدة تقف بكل إمكاناتها مع مصر وسوريا في حرب الشرف، من أجل استعادة الأرض العربية المغتصبة. وكانت وقفته التاريخية مشهودة عندما أطلق صيحته المدوية: \”إن البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي\”، واقتحم المعركة بالسلاح الجبار الذي يملكه.

وتأكيداً لمبادئ زايد في رأب الصدع، ولم الشمل، وتوحيد الصفوف، وإنهاء الخلافات بين الأشقاء، دّوى صوته منادياً بعودة مصر إلى الصف العربي في قمة عمّان في أكتوبر 1987م، وبادر إلى إعادة العلاقات مع جمهورية مصر العربية في خطوة رائدة لدعم التضامن العربي.

وفي أكتوبر 1980، دعا سموه إلى عقد قمة عربية لإنقاذ لبنان مما يعيش فيه من حرب ودمار وفرقة، وفي هذا يقول سموه: \”لا يجوز لعربي أن يتقاعس عن أداء الواجب، سواء أكان في لبنان أم فلسطين، أم في أي مكان في الوطن العربي\”.

وقد وقف رجل المبادئ والمواقف وقفة مشهودة ضد غزو النظام العراقي للكويت الشقيقة؛ فاستنكر العدوان، ووقف ضد الاحتلال، وبتوجيهات من سموه فتحت الإمارات ذراعيها بكل الحب والترحاب للأسر الكويتية التي قدمت إلى وطنها الثاني الإمارات، وشاركت القوات المسلحة الباسلة في معركة تحرير الكويت بالتعاون مع الدول الشقيقة والصديقة.

الشيخ زايد والمكانة الدولية

لقد أكسبت الجهود الكبيرة، والخبرة السياسية المتراكمة، والإنجازات المتميزة، التي حققها سموه (رحمه الله) في الداخل والخارج، سمعة عالية المستوى، ليس كقائد لشعبه فقط، بل كقائد متميز من أبرز قادة العالم أجمع.

فإنجازاته على صعيد العمل القومي أكسبته مكانة مرموقة بين زعماء العالم العربي كافة، إذ كان الزعيم العربي الوحيد الذي خاض تجربتين وحدويتين، حالفه الحظ في كليهما، بفضل ما يتميز به من سلامة الحس القومي، والحنكة في تقدير الأمور، التجربة الأولى: إقامة دولة الإمارات العربية المتحدة، وتمكنها في فترة قصيرة من احتلال مكانة مرموقة، أما الثانية: فهي المساهمة بفعالية قصوى في إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث شهدت مدينة أبوظبي ميلاد هذا المجلس في عام 1981، وما زالت التجربتان تشهدان لسمو الشيخ زايد بالتميُّز والقدرة على صناعة الأحداث الكبرى بنجاح باهر.

الشيخ زايد وعوامل النجاح

ولعل من أسباب نجاح سموه في كل ما يسعى إليه، هو اهتمامه الخاص بقيم الحوار والتعاون، كوسائل لتحقيق النتائج المرجوة، وهو مدخل ظل ينتهجه، في شؤون الدولة الداخلية، وفي إطار العالم العربي والدولي بأسره، بفضل حكمته، وخبرته، وتجاربه، على امتداد أكثر من خمسين عاماً في الحكم ورئاسة الدولة.

الشيخ زايد والهوايات الأصيلة

ومع ذلك كله، كان سموه يجد في وقته من الفراغ ما يمكن أن يشغل فيه نفسه، من خلال ممارسة هواياته، هوايات الآباء والأجداد، وهي الصيد بالصقور، والفروسية وركوب الخيل، وسباقات الهجن والقوارب، مما يدخل في حبه الشديد للتراث، الذي عمل على إحيائه وتأصيله في الحياة العربية المعاصرة داخل الدولة وخارجها.

الشيخ زايد والتعليم

أدرك زايد وفي السنوات الأولى من عمر دولة الاتحاد أن العلم والعمل هما الطريق نحو رفعة الأمة وتقدمهما، وبناء الإنسان، فسارع ببناء المدارس ومراكز التعليم في مختلف مناطق الدولة، كما استقدم المدرسين والمدرسات من الدول العربية الشقيقة، لتعليم الأبناء وزرع الأخلاق والعلوم في عقولهم ونفوسهم، وفعلاً وخلال سنوات قليلة فقط، قامت الدولة ببناء المدارس، وتم توفير كل ما يحتاجه الطلاب، وتواصلت المسيرة التعليمية حيث تم إنشاء جامعة الإمارات، وكليات التقنية العليا، ثم جامعة زايد، بالإضافة إلى الجامعات الخاصة الموجودة في الدولة مثل الجامعة الأمريكية، وجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، وجامعة أبوظبي وغيرها، لتصبح الإمارات خلال فترة وجيزة، مركزاً لانطلاق العلم إلى الدول القريبة والصديقة.

كما كانت دولة الإمارات من أوائل الدول في الشرق الأوسط التي جعلت مادة الحاسب الآلي مادة دراسية من ضمن المواد الرئيسية التي يتعلمها الطلاب في المدارس.

الشيخ زايد والصحة

أولى سمو الشيخ زايد اهتماماً خاصاً بالصحة، فأمر ببناء المستشفيات، واستقطاب الأطباء والمختصين، من أجل راحة المواطن، حيث أن الدستور قد كفل للمواطن حق العلاج بالمجان.

الشيخ زايد والشؤون الإسلامية

على الصعيد الإسلامي، وقف رحمه الله بإمكاناته المادية والمعنوية مع كل ما يفيد الإسلام، ويخدم أوضاع المسلمين في كل أنحاء العالم؛ فسعى لتعميق المفاهيم الإسلامية، وإقامة المراكز الإسلامية، وتمويل البحوث والدراسات، ووفد البعثات إلى بعض الدول الإسلامية في آسيا وأفريقيا للتعرّف على أحوال المسلمين، وتلبية احتياجاتهم، وأنفق من حسابه الخاص لتيسير أداء فريضة الحج لأبناء الإمارات والمسلمين، وطباعة الآلاف من نسخ القرآن والكتب والمراجع، وتوزيعها على المسلمين في أنحاء العالم.

وبعد فهذه إطلالة سريعة على جانب واحد من شخصية ثرية بالمبادئ والمواقف، غنية بالإنجازات الرائعة والمآثر العظيمة استحقت شهادة منصفة من هيئة عالمية كبرى، حين تم اختيار سموه رجل عام ثمانية وثمانين وتسعمائة وألف ميلادية من بين شخصيات العالم قاطبة، وذلك لمواقفه السياسية الحكيمة، وسجله الحافل بالإنجازات، ودوره البارز في المحافل العربية والدولية.